المصراويه

إسلاميات.المواقع الرياضيه.أفلام.الصحف اليوميه. وظائف
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 هل كان المتنبّي متشائمًا؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
romero
Admin


المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 21/04/2011

مُساهمةموضوع: هل كان المتنبّي متشائمًا؟    الثلاثاء أبريل 26, 2011 1:08 pm


بقلم الدكتور
عَفيف عَبد الرَّحمن
جامعة اليرموك- أربد
يذهب بعض الباحثين إلى أنه توجد لدى الفرد عاطفة سائدة، وهي عند البعض عاطفة المال، وعند البعض الآخر عاطفة العلم، وعند غيرهم نحو السلطان. وإذا وجدت هذه العاطفة، فإنها توحد وجهة العواطف والنزعات الغريزية المختلفة. فإذا تصورنا شخصًا عاطفته السائدة هي حب الذات، وجدنا أن كل جهوده موجهة نحو ذاته لتعظيمها أو إرضائها، فهـو يحب من يتحدث عنه بالمدح، ويعطف عليه، ويكرمه، ويكثر من التشدق بالحديث عن نفسه. وتشتاق نفسه لأن يكون هو مركز الانتباه الاجتماعي. حقًا أن البحث عن العظمة قد يصبح فكرة مسيطرة تلتهم صاحبها، وقد يكون لها صدى بعيدًا في صور الذعر والكآبة واليأس والغضب التي تغشى حياته كلها .
ونستطيع أن نؤكد اعتمادًا على ما سنورده من أدلة إن شاعرنا كان متشائمًا. أما إذا حاولنا تبين أسباب تشاؤمه ودوافعها فإن أول ما سيطلعنا هو الأوضاع السياسية، فقد كان العالم الإسلامي ككل نهبًا مقسمًا بين أمراء أغلبهم من الأعاجم، لا يستحقون ما نالوه.
وأصبح الشعار السائد في هذا العصر الدنيا لمن غلب، وتلك كانت الطامة الكبرى، فقد ولد المتنبي وسط هذا الخضم في بيئة لم تكن سليمة، فقد شهدت هذه المدينة من الويلات والنهب والسلب والإغارة، وسمعت أذناه ما كان يقال في بلده عن تلك الأوضاع، وترسب كل ذلك في أعماق اللاشعور، وترك ندبًا ساعدت الأحداث الأخرى فيما بعد على إذكائه وتقويته من جديد.
إن أول مظاهر التشاؤم في شعره نظرته إلى الدنيا وأهلها، فقد عرك المتنبي الحياة وعركته، وابتلي بها وذاق منها الشهد والعلقم، ولكن علقمها كان أكثر من شهدها. ولم يكره المتنبي الحياة بل ظل مقبلاً عليها على الرغم مما ابتلي به، فلـم يكن يكبو حتى ينهض ليستأنف السير من جديد، وهو يعترف صراحة بأنه محب للحياة ما دامت مقبلة عليه حتى الشيخ المسن لا يملها إلا حينما يضعف:
ولذيذ الحياة أنفس في النفس
وأشهى من أن يمل وأحلى
وإذا الشيخ قال أفّ فما مل حياة وإنما الضعف ملاّ
ويرى المتنبي أن الإنسان حريص على حب الحياة، وهو صبّ بها، وما أورد الجبان الحذر والتقية إلا حبه للحياة، وإن الشجاع ليخوض الحروب ليحقق لنفسه ما تشتهي وتتمنى، وكلنا نبغي الحياة، ونحرص عليها ونهيم بها:
أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه
حريصًا عليها مستهامًا بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التقى وحب الشجاع النفس أورده الحربا
ولكن، هل بادلته الدنيا حبًا بحب؟ وهل أقبلت عليه كما أقبل عليها؟ إن شاعرنا ينكر عليها ذلك، ولو أن التاريخ يحدثنا أنه نعم ببعض فترات حياته، ولكن يبدو أن نفسه لم تكن هانئة وسعيدة، وأنه لم يكن ليقنع بما استقر عليه وضعه. لم يقنع لأن آماله كبار، وذلك ما أشقاه، ولقد صور ذلك أحسن تصوير حين قال:
وإذا كانت النفوس كبارًا
تعبت في مرادها الأجسام
لم يحصل المتنبي على شيء مما طمح إليه، اللهم إلا الآمال والوعود الكاذبة، فهي كل ما ناله من الدنيا. ومما زاد في ألمه أن الناس يحسدونه على ما يبكي عليه، يحسدونه على الفشل، ويحسدونه على لا شيء، ويتساءل بعد ذلك عما لقيه من الدنيا حتى يحسده الحاسدون فيقول:
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها
أنى بما أنا باك منه محسود
أمسيت أروح مُثرٍ خازنًا ويدًا أنا الغنيّ وأموالي المواعيد
وعندما يئس الشاعر من تبدل أوضاعه وتحسنها، وحينما يئس من عقد هدنة بينه وبين مصائب الدنيا التي لم تكن تنقطع، صب نقمته عليها، ونعتها بأقذع الصفات، فهي أخون من مومس، وهي خادعة، وقد خدع الناس بها فتفانوا على الرغم من فشلهم في الحصول على شيء:
فذي الدار أخون من مومس
وأخـدع من كِفَّةِ الحـابل
تفانى الرجال على حبها وما يحصلون على طائل
ولعل أوضح صورة رسمها الشاعر للدنيا هي تلك الصورة التي صورها بأنها غانية، وشيم الغانيات معروفة، ولعل هذا هو الذي دعاهم لتأنيث اسمها، ومن شيمها الغدر فهي لا تحفظ عهدًا، ولا تتمم وصلاً، وهي أبدًا تسترد منا باليمين ما وهبته بالشمال:
كل دمع يسيل منها عليها
وبفك اليدين عنها تخلى
شيم الغانيات فيها فما أدري لذا أنَّثَ الناس أم لا
إذًا فقد أعلن الشاعر الحرب على الدنيا، كما أعلنت هي قبله عليه الحرب، وبدأ يصيح محذرًا الناس منها، فهي لا تستحق الحياة، ولا تستحق أن نشتاق إلى النسل لنسبب له الشقاء كما تسبب غيرنا لنا به.
ولعل المعري قد تأثر بأستاذه أبي الطيب حينما نادى بنفس الفكرة. يقول المتنبي:
وما الدهر أهل أن تؤمل عنده
حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل
ولم يتركنا الشاعر في حيرة، فقد أعلمنا لماذا هو حرب على هذه الدنيا، ولماذا يكرهها ويدعو الناس إلى هجرها وكرهها، وهو يخبرنا بذلك عن تجربة ويقين، فقد أظمأته الدنيا، وعندما أقبل عليها مستسقيًا لم تمطر عليه إلا المصائب:
أظمئتني الدنيا فلما جئتها
مستسقيًا مطرت عليّ مصائبًا
ويقول في موضع آخر:
عرفت نوائب الحدثان حتى
لو انتسبت لكنت لها نقيبًا
وكيف يشعر الشاعر بلذة الحياة وقد عانى منها ما عانى المصائب، لقد صحب الدنيا في رحلة طويلة تقلبت فيها الدنيا على عينيه فأصبح يرى صدقها كذبا، إنه لن يسعد إلا إذا عادت أيامه الحلوة السعيدة، وزال الهم والكرب:
ومن صحب الدنيا طويلاً تقلبت
على عينه حتى يرى صدقها كذبا
وكيف التذاذي بالأصائل والضحى إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبا
ولقد أحس الشاعر وكان بينه وبينها عداوة، فهو يهم بشيء ويسعى جاهدًا من أجله، وهي تطارده وتحول بينه وبين تحقيق ذلك، ومما يزيد في ألمه أنه في هذه الدنيا وحيد لا خلان له:
أهمّ بشيء والليالي كأنها
تطاردني عن كونه وأطارد
وحيد من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قلّ المساعد
وتنتهي تجربة الشاعر مع الدنيا برأي يكونه بعيدًا عن الصحب، نحس منه نغمة اليائس الحزين، نغمة الفشل والنقمة والحرمان، ولعل أروع قصيدة تصور لنا ذلك نونيته التي قالها في مصر، فهي تدل على حصاد تجربة طويلة مريرة، ومعاناة شديدة مع هذه الحياة:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
وعناهم من شأنه ما عنانا
وتولوا بغصة كلهم منه وإن سرّ بعضهم أحيانًا
ربما تحسن الصنيع لياليه ولكن تكدر الإحسانا
ولكنه في الجانب الآخر يفسر لنا الجانب الإيجابي الثوري في نظرته إلى الدنيا، فهو يعلل سبب نقمته وثورته عليها وعلى أحيائها، وخلاصة هذه الفلسفة هي أن من عرف الأيام والناس كمعرفة الشاعر بهما فإنه سيروي رمحه من دمائهم من غير رحمة أو لين، لأنهم لن يرحموه إن ظفروا به قبل أن يظفر بهم فلم يرحمهم؟؟
والمتنبي حينما يعلن الثورة على الدهر والأيام والدنيا، وكلها لا تعني في نظره إلا شيئًا واحدًا هو الناس والمجتمع، فهم الذين يحولون بينه وبين تحقيق آماله، وهم الذين سببوا له كل هذه الآلام. فما الدنيا والدهر والأيام إلا كلمات يخفي تحتها ثورته على الناس، ورموز يخفي تحتها ما يضمر من حقد وثورة عليهم، وفلسفة الشك في كل البشر لأنهم بشر حتى الذين يصطفيهم يشك فيهم لأنهم بعض الأنام. ولعل هذه النقمة جسمها له بعض ما علق بذهنه من أفكار القرامطة الذين لم تعجبهم الحياة ولا قوانين المجتمع فثاروا عليها ثورة حمراء عصفت بالمجتمع فترة من الزمن. ولكن شاعرنا في نهاية الرحلة هدأت نفسه، وصب هذه النقمة على الدنيا في قوالب من الحكم التي خلدت وعاشت وما زلنا نتناقلها حتى يومنا هذا.
ولقد ترك لنا المتنبي خلاصة تجربته مع الناس، وخلاصة آرائه في الحياة والطموح الذي لم يكن له حد، والتشاؤم المطلق، ترك ذلك كله على صورة حكم يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل. ونستطيع تقسيم هذه الحكم إلى قسمين: قسم قاله في شبابه، وقسم قاله بعد أن خاض غمار الحياة وذاق حلوها ومرها، وتقدمت به السن وهدأت ثورته واستحالت فلسفة مستقرة. لقد احتك المتنبي بالقرامطة فأخذ عنهم حب الثورة والميل إلى انتفاضة العنفوان، كما احتك بذوي الأمر والسلطان فذاق مرارة الخيبة، وسعى وراء العظمة فعرف حطمة الطموح، وحسده الناس فآذوه وآلموه، فكان صدره بركانًا ينفث حممًا ونيرانًا، وقال شعرًا فكان شعره ترجمان قلبه الطموح وقلبه الساخط، وقد جمع الصاحب ابن عباد حكم المتنبي لفخر الدولة البويهي.
وإذا ما بحثنا عن مصادر حكمه فإننا نجدها نفسه وتجاربه وإلهامه، وإن استقى بعض الحكم مما وصل إليه من نظريات اليونان، ومما أطلعته عليه ثقافته.
وتتلخص فلسفة المتنبي في حكمه بأنها فلسفة عظَّمت القوة وقدستها، لأن نفسيته كانت مفطورة على القوة والاعتداد والطموح، ولكن طموحه هذا لم يصادف سوى الإخفاق، فكان نتيجة هذا كله الإغراق في التشاؤم.
وأما حكم المتنبي في صباه فكانت فلسفة الأمل الطامح المؤمن بالقوة، وتميزت بالثورة والحقد على الأحياء، ولكنها حكم كان ينقصها الاتزان وعمق التجربة، كما كان متهورًا في حب الثورة والدمار وطلب الآمال الخيالية. نسمعه يقول في صباه:
عش عزيزًا أو مت وأنت كريم
بين طعن القنا وخفق البنود
فرؤوس الرماح أذهب للغيظ وأشفى لغل صدر الحقود
وعندما اصطدمت آمال الشاعر التي لا حد لها بصخرة الواقع الصلدة، وفشل في تحقيق مطامحه برزت في حكمه فلسفة الأمل الخائب المثقل بالنقمة والثورة والتشاؤم، وتميزت حكمه في هذه الفترة بالحزن والاستسلام أحيانًا وبالثورة أحيانًا أخرى، وهبطت ثورته، واتسمت بعض آرائه بلون كثيف من التشاؤم. يقول ناصحا:
ولا تشك إلى خلق فتشمته
شكوى الجريح إلى الغربان والرحم
وكن على حذر للناس تستره ولا يغرّك منهم ثغر مبتسم
غاض الوفاء فما تلقاه في عدة وأعوز الصدق في الأخبار والقسم
وها هو يصرح متألمًا بأن من الصعب احتمال الأذى ورؤية جانيه، ونحن لا نستطيع دفع هذا الألم ولا الثأر من جانيه، فالموت خير من عيش كهذا لأنه يريحنا، ولعل الشاعر هنا يعكس لنا واقعه:
واحتمال الأذى ورؤية جانيـ
ه غذاء تضوي به الأجسام
ذل من يغبط الذليل بعيش رب عيش أخف منه الحمام
ولم يكن المتنبي مترددًا في عرض آرائه، كما أنه لم يكـن حائرًا في مضمونها كأبي العلاء، بل كان يجزم في خواطره حتى الغريبة منها، يفعل ذلك وكأنه يسن شريعة ويقرر حقائق ثابتة، ويعتمد على فكره اعتمادًا شديدًا مطلقًا، تمامًا كما كان لا يتورع على رد الجواب لمن يحاول النيل منه إن كان ذلك مستطاعًا، فقد قال لمن حاول أن ينال منه في مجلس سيف الدولة ليجعله يقف وهو ينشد الأمير، قال له: أما سمعت المطلع؟ وكان مطلع القصيدة:
لكل امريء من دهره ما تعودا
وعادة سيف الدولة الطعن في العدا
أما الحياة فقد رأى فيها شاعرنا مسرحًا من مسارح تنازع البقاء، وهي ساحة حرب لا يفتأ الناس يتصارعون من غير رحمة أو هوادة، ولا يثبت فيها إلا القوي الشجاع:
وإذا لم يكن من الموت بدًّ
فمن العجز أن تموت جبانًا
وهي دار فناء لا يدوم فيها نعيم، ولا تستقر على حال، ومع ذلك فهي لذيذة نعشقها ونتعلق بها:
يدفن بعضنا بعضًا ويمشي
أواخرنا على هام الأوالي
ويقول أيضًا:
ولذيذ الحياة أنفس في النف
س وأشهى من أن يملّ وأحلى .
وأما الدين فقد أهمله المتنبي إهمالاً يكاد يكون تامًّا، وربما كان يرجع إلى اتصاله ببعض النحل، وربما كان لعدم الاستقرار، وتغلب الجانب السياسي على تفكيره.
وأما الزمان فهو عدو الأحرار اللدود، وعدو كل كريم النفس، لا يساعدهم على تحقيق أمنياتهم:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي
بأضعف من أن أجمع الجد والفهما
ويقول أيضًا:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
ومن مظاهر التشاؤم في شعر المتنبي الهجاء، ذلك الهجاء الذي اشتهر به الشاعر من خلال هجائه لكافور، ولكن الشاعر لم يهج كافورًافحسب وإنما هجا غيره أيضًا، لقد هجا الشاعر الزمن، وهجا الجنس البشري كله، لقد هجاهم لأنهم لم يكونوا يستحقون الحياة التي وصلوا إليها بينما هو محروم منها.
إن هجاء المتنبي أسمى من هجاء غيره كابن الرومي مثلا، فهو لم يهج أحدًا لأنه بخسه العطاء، أو لأنه لم يعطه، ولكنه هجاهم لأنهم حجبوا عنه آماله، أو لأنهم استأثروا بشيء لا يستحقونه.
يقول في هجاء الزمان وأهله:
أذم إلى هذا الزمان أهيله
فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد
وأكرمهم كلب وأبصرهم عم وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد
وهو حينما يذم الزمان فذلك لأنه لا يحسن اختيار ضحاياه، فهو يميت الكريم ويبقي اللئيم:
قبحًا لوجهك يا زمان فإنه
وجه له من كل لوم برقع
أيموت مثل أبي شجاع فاتكٌ ويعيش حاسده الخصي الأكتع
ويقترن اللئيم الذي لا يرضى عنه الشاعر بالحسد دائما، ولهذه اللفظة مدلولها في قاموس ألفاظ المتنبي الشعرية، ولها جذورها النفسية، فهو لم يهج إلاّ لأنه يعتقد أنه محسود. ولم يكن الشاعر يتوقع وهو في ذروة غروره وطموحه أنه سيساء إليه، ولم يكن يظن أن الناس قد فقدوا حتى يسودهم عبيدهم:
ما كنت أحسبني أبقى إلى زمن
يسيء لي فيه كلب وهو محمود
ولا توهمت أن الناس قد فقدوا وأن مثل أبي البيضاء موجود
ويقودنا هذا إلى الشكل الثاني من أشكال الهجاء عنده، وهو الهجاء السياسي، وهو ذلك الذي قاده إلى التشاؤم حينما رأى سافل الناس يعلو، وعاليهم يسفل، ونرى الشاعر يسخر سخرية مريرة من تلك الأمة التي يسوسها كافوروأمثاله، وينادي علنًا بالقضاء عليه وعلى أمثاله حتى تعود الأمور إلى سيرها الطبيعي وتزول الشكوك والتهم:
سادات كل أناس من نفوسهم
وسادة المسلمين الأعبد القزم
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
ألا فتى يورد الهندي هامته كيما تزول شكوك الناس والتهم
ولقد بات يشك أذلك داء قديم في هذه الأمة أم أنه داء حديث أصابها:
تشابهت البهائم والعِبِدّى
علينا والموالي والصميم
وما أدرى إذا داء حديث أصاب الناس أم داء قديم
ويرى المتنبي أن الزمان الذي عاصره خريف الدهر، بينما الناس قبله عاصروا شبابه فسرّهم ولا يعني ذلك إلا أن هذا العصر، عصر تسلط أولئك الذين جعلوا الحياة لا طعم لها:
وقت يضيع وعمر ليت مدته
في غير أمته من سالف الأمم
أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرّهم وأتيناه على الهرم
ولقد شغل الموت شاعرنا كثيرًا كما شغل به كثيرون من قبل ولكن الذين تعرضوا لذكره لم يعرضوا له في لحظات حياتهم المشرقة. لقد ذكر المتنبي الموت كثيرًا، ذكره لأنه كانت تمر به اللحظات التي يرى الموت أهون من حياته التي يحياها، ولم يكن الموت عنده إلا الملاذ الأخير من هذا العالم الخاسر المضطرب، ولكنه اختلف عن غيره حينما عرض للأسباب التي تجعله يختار الموت ويرفض الحياة، واتفق معهم في أن الموت حق، وهو مقدّر لا مجال لرده. وبمعنى آخر لقد اتفق معهم في المصير ولم يتفق معهم في الأسباب.
إن الحقيقة التي يقررها هي أن الموت حق، وهي حقيقة لا يختلف فيها اثنان، حتى لقد نعتنا الشاعر ببني الموتى، فلم نعاف من شربه:
نحن بنو الموتى فما بالنا
نعاف ما لا بدّ من شربه
تبخل أيدينا بأرواحنا على زمان هنّ من كسبه
وإذا كان الموت حقًا وآتيًا لا ريب فيه فلماذا يغتر الأحمق بما لديه؟ لِمَ يأمل المرء الحياة؟ لِمَ يحبها وهو يرى أن عمره يفنى والشيب ينذره بقرب النهاية؟
والموت آت والنفوس نفائس
والمستعزّ بما لديه الأحمق
والمرء يأمل والحياة شهية والشيب أوفر والشبيبة أنزق
ولقد بكيت على الشباب ولمتي مسوّدة ولماء وجهي رونق
حذرًا عليه قبل يوم فراقه حتى لكدت بماء جفني أشرق
ولكن المتنبي يرى الموت أحيانًا شافيًا مما يعاني الإنسان، ومهربًا مما يلاقيه من ظلم بني الإنسان، ويصبح الموت عندها أمنية عزيزة، وما أكثر تلك اللحظات في حياة المتنبي، وبخاصة في فترة إقامته بمصر:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
تمنيتها لما تمنيت أن ترى صديقًا فأعيا أو عدوًا مداجيًا
وعلى الرغم من مناداة الشاعر بالموت طريقًا للخلاص في لحظاته الحرجة، إلا أنه يرى الموت بغيضًا، كما أن الحياة بغيضة أيضًا، ولكن الحياة أشدّ بغضًا:
وما موت بأبغض من حياة
أرى لهم معي فيها نصيبًا
وإذا قدر لشاعرنا أن يختار وسيلة الموت فإنه يختار الموت في ساحة الوغى:
فموتي في الوغى أربى لأني
رأيت العيش في أرب النفوس
ولقد كرر هذا المعنى كثيرًا في شعره، وظل هذا المطلب يلح عليه، حتى تحقق له ما أراد ومات وهو يقاتل. إن الخوف والحذر من مطالب الشاء والأنعام، وإن الموت في ساحة الوغى مطلب شريف، ومن علامات المجد والكرم والسؤدد. وتلك ميزة خلفتها في نفسه الأفكار القرمطية، اسمعه يخاطب نفسه فيقول:
ردي حياض الردى يانفس واتركي
حياض خوف الردى للشاء والنعم
إن لم أذرك على الأرماح سائلة فلا دعيت ابن أم المجد والكرم .
ويصبح الموت، وهو المر المذاق، يصبح لذيذ الطعم عندما يقف الإنسان موقفًا ذليلاً، عندها يعذب طعم الموت:
وعندها لذ طعم الموت شاربه
إن المنية عند الذل قنديد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elmasrawia.own0.com
 
هل كان المتنبّي متشائمًا؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المصراويه :: الفئه الثانيه :: ادب :: المتنبى-
انتقل الى: