المصراويه

إسلاميات.المواقع الرياضيه.أفلام.الصحف اليوميه. وظائف
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الاتّجَاهُ البَاطِنيّ في شِعرِ المُتَنَبّي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
romero
Admin


المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 21/04/2011

مُساهمةموضوع: الاتّجَاهُ البَاطِنيّ في شِعرِ المُتَنَبّي   الثلاثاء أبريل 26, 2011 1:15 pm





بقلم
عَزيزعَارِف
بغداد- الجمهورية العراقية



إن مذهب الباطنية يقوم- كما يقول الديلمي- على أنه لا بد لكل ظاهر منباطن وهو المقصود في الحقيقة وهو بمنزلة اللب والظاهر بمنزلة القشر . ويقول عنهم أيضًا إنهم عموا بذلك جميع الكلام وأنواع الأجسام ولم يعتبروا المطابقة بين الظاهر والباطن بل إن تأويلاتهم لا تناسب الظاهر من حيث الحقيقة والمجاز، ولم يقتصروا مع ذلك على تأويل واحد بل أثبتوا تأويلاً للتأويل وجعلوا للعبارة الواحدة أيضًا تأويلات عدة .
هذا الجانب الباطني واضح الملامح في شعر المتنبي، غير أنه يأخذ أشكالاً مختلفة، منها الغلو في الفخر، ومنها تجاوز الحد في المدح، ومنها الهجاء بالإطراء، ومنها الرمز والإشارة، ومنها التعمية والتمويه، ومنها الألغاز والإبهام.
ولقد قصدت وأنا أعرض هنا لبعض الملامح الباطنية في شعر المتنبي، إلى أن أبرز أهمية هذا الجانب الباطني في فهم شعره وأن أنبه في نفس الوقت على أن الدراسات التي تتجاوز هذا الجانب وتكتفي بالوقوف عند ظاهر النصوص، قد يفوتها أن تدرك- وهي تجد في البحث عن الحقيقة- الغرض الحقيقي الذي أراده المتنبي وقصد إليه.
قال أبوعلي الفارسي :
قيل للمتنبي: لكل نبي معجزته فما هي معجزتك؟
قال: هذا البيت:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوًّا له ما من صداقته بدُ


وما من شك في أن المتنبي وصاحبه كانا وهما في حوارهما هذا يتعابثان ويتمازحان، وما من شك كذلك في أن المتنبي قد اختار بيته هذا اختيارًا وأراد به الإشارة فما الذي أشار بهذا البيت؟
يقول الخطيب التبريزي في تفسيره إن المتنبي قد أراد به السلطان. وفي الحق أن هذا البيت تتمثل فيه ظاهرتان متميزتان في شعر المتنبي تتواليان في أغلب قصائده، تتلازمان حينًا وتفترقان حينًا آخر، وتبدوان بوضوح تارة وتتواريان حتى لا تكاد تبينان تارة أخرى هما: ظاهرة التصدي للسلطان وظاهرة ازدواجية المعنى (اختفاء معنى باطن هو أصل وراء معنى ظاهر هو الشكل). وكثير هم الشعراء الذين عرضوا بالسلطان وتصدوا له على توالي العصور، وكثير هم الشعراء الذين آثروا الرمز والإيماء فاختفت إشاراتهم وراء عباراتهم، غير أن أبا الطيب المتنبي يتميز عن هؤلاء جميعًا بأنه وهو في عرين السلطان كان يقف منه موقف المجابهة، يحتاط إلى ذلك بهذه الرموز التي تدق أحيانا حتى تصبح كرقية العقرب كما وصفوها، وتبدو بينة كوضح النهار أحيانًا أخرى.
فمن إشاراته البعيدة هذا البيت:

ولو لم يرع إلا مستحق
لرتبته أسامهم المسام


وقال الواحدي في شرحه:
يقال سامت الماشية إذا رعت وهي سائحة وأسامها صاحبها ويريد بالمسام ههنا الرعية. ومعناه:
لو كانت الإمارة بالاستحقاق لوجب أن يكون أولئك الملوك رعية ورعيتهم ملوكا يسوسونهم لأنهم أحق منهم بالملك .
ومن إشاراته الواضحة قوله:

وجنبني قرب السلاطين مقتها
وما يقتضيني من جماجمها النسر


قال الواحدي: يقول: بغضي السلاطين نهاني عن قربهم، وإني قاتل لهم فإن النسر كأنه ينتظر أكل لحومهم فهو يطالبني بجماجمهم .
ولقد نسب المتنبي وهو يتعدى للسلطان إلى الجنون حينًا وإلى هوس العظمة حينًا آخر، وإلى الحمق تارة وإلى الإسراف في الغرور تارة أخرى. ورأى بعضهم أن الذي دعاه إلى تحدي السلطان هو طموحه وبعد مرتقى همته وعزا آخرون ذلك إلى براعته في صناعة الشعر.
وفي الحق إن الذين كتبوا عن المتنبي- قدماء ومحدثين- كانوا كما عبر أبو الفتح ضياء الدين بن الأثير- عادلين فيه عن سنن التوسط، فإما مفرط في وصفه وإما مفرّط .
قال عنه الثعالبي: وما زال في برد صباه إلى أن أخلق برد شبابه، وتضاعفت عقود عمره يدور حب الولاية والرياسة في رأسه، ويظهر ما يضمر من كامن وسواسه، في الخروج على السلطان، والاستظهار بالشجعان والاستيلاء على بعض الأطراف .
ويقول الدكتور طه حسين إن المتنبي كان ثائرًا على نظام الحكم المستقر في الكوفة، ضيقًا به راغبًا في تغييره أو جادًا في هذا التغيير، ويعلل سبب ذلك أن مولد المتنبي كان شاذًا وبأن المتنبي أدرك هذا الشذوذ وتأثر به في سيرته كلها ولم يستطع أن يلائم بين نفسه الشاذة وبين البيئة الكوفية التي كان يراد له أن يعيش فيها . ويقول في موضع آخر من كتابه (مع المتنبي):
لست أدري أتسعدنا النصوص التي بقيت لنا من شعر المتنبي أم لا تسعدنا؟ ولكني قوي الشعور بأن المتنبي لم يرحل إلى الشام طالبًا للرزق فحسب، وإنما ذهب إلى الشام داعية من دعاة القرامطة في هذا القسم الشمالي من سوريا الذي لم يكن قد أدركه الاضطراب القرمطي كما أدرك غيره من أقسام الشام .
ويقول عنه كذلك: أقبل الفتى على بغداد قرمطيا منهزما حانقا على النظام الاجتماعي والسياسي وخرج من بغداد إلى الشام وأضاف حنقا إلى حنق وسخطا إلى سخط وازداد حظه من التمرد على السلطان والنظام .
وفي الحق أن الكوفة ومنذ أن ظهر القرامطة في سوادها في منتصف القرن الثالث الهجري، كانت مسرحًا لصراع عنيف بين القرامطة من جهة وبين الخلافة العباسية من جهة أخرى، بل إن الكوفة وقبل ظهور القرامطة فيها كانت ميدانًا للصراع بين العلويين من جانب وبين العباسيين من جانب آخر، فلم يكن الحكم فيها مستقرًا بل إن مقر الخلافة في بغداد كان أبعد ما يكون عن الاستقرار.
يقول (المسعودي) عن الخليفة المعتزإنه كان يؤثر اللذات ويعدم الرأي... وغلب على أموره وقهر في سلطانه . ويقول عن الخليفة المعتمد:
أهمل أمور رعيته وتشاغل بلهوه ولذاته حتى أشفى الملك على الذهاب .
ويصف (المسعودي) حالة الخلافة في عهد الخليفة المقتدر فيقول: أفضت الخلافة إليه وهو صغير غر ترف، لم يعان الأمور ولا وقف على أحوال الملك، فكان الأمراء والوزراء والكتاب يدبرون الأمور، ليس له في ذلك حل ولا عقد ولا يوصف بتدبير ولا سياسة وغلب على الأمر النساء والخدم وغيرهم، فذهب ما كان في خزائن الخلافة من الأموال والعدد بسوء التدبير الواقع في المملكة فأداه ذلك إلى سفك دمه واضطربت الأمور بعده وزال كثير من رسوم الخلافة .
وقال عن المقتدر أيضًا: وكانت فيه وفي أيامه أمور لم يكن مثلها في الإسلام... ومنها غلبة النساء على الملك والتدبير حتى إن جارية لأمه تعرف بثمل القهرمانة كانت تجلس للنظر في المظالم الخاصة والعامة ويحضرها الوزير والكاتب والقضاة وأهل العلم .
في جو هذا الصراع ولد المتنبي في الكوفة وعاش فيها فترة صباه. وكان الذي دعاه إلى التمرد على السلطان والوقوف منه موقف المجابهة، ليس هو شذوذ مولده كما يقال عنه، إنما هو فساد حكم السلطان وشذوذ نظامه.
وخرج المتنبي من الكوفة شقيًا بائسًا تتأجج في نفسه نار الثورة على الظالمين وهو يردد:

إلى أي حين أنت في زي محرم
وحتى متى في شقوة وإلى كم

وإلا تمت تحت السيوف مكرمًا
تمت وتقاس الذل غير مكرم

فثب واثقا بالله وثبة ماجد
يرى الموت في الهيجا جنى النحل في الفم


وظل المتنبي وهو بعيد عن الكوفة يستشعر الغربة وظلت جذوره دفينة حتى الأعماق في التربة التي شهدت أحداث صباه، ولم يستطع أن يتلاءم مع البيئة الجديدة التي وجد نفسه فيها، وكان وهو إلى جوار السلطان بعيدًا كل البعد عن السلطان. وهذا هو الذي يفسر قوله:

وما أنا منهم في العيش فيهم
ولكن معدن الذهب الرغام


وقوله:

بما التعلل لا أهل ولا وطن
ولا نديم ولا كأس ولا سكن


وقوله:

ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه
إني بما أنا باك منه محسود


ثم يعود المتنبي إلى الكوفة بعد غيبة عنها دامت ستة عشر عامًا فيلقي على مشارفها قصيدته التي يقول فيها:

لتعلم مصر ومن بالعراق
ومن بالعواصم أني الفتى

وأني وفيت وأني أبيت
وأني عتوت على من عتا


والحق أن المتنبي في كل مواقفه من السلطان، كان يقف منه موقف الند للند، يرتفع بنفسه إلى حيث يكون السلطان حينًا فيقول:

وفؤادي من الملوك وإن كا
ن لساني يرى من الشعراء


ويرتفع بالسلطان إلى حيث يكون هو حينًا آخر فيقول:

شاعر المجد خدنه شاعر اللفظ
كلانا رب المعاني الدقاق


وتعظيم المتنبي لنفسه لا ينبغي أن يفسر على أنه جنون أو إغراق في الغرور، إنما هو حقيقة تعظيم للإنسان ولقدرة الإنسان. وهو حين يأخذه الغلو في مدح نفسه إنما يغالي في الوقت نفسه في الحط من هيبة السلطان. وتهوين شأنه والاستخفاف بحاشيته وأعوانه.
وحين كان الشعراء يدعون إلى تقديس السلطان، كان المتنبي يذهب إلى أن السيادة حق للناس جميعًا وهو القائل: لولا المشقة ساد الناس كلهم ويفرق المتنبي في شخص ممدوحه: صفة الإنسان وصفة السلطان، فيشيد به إنسانًا وينكر عليه سلطانًا، وهذا هو معنى قوله في سيف الدولة:

وإن الذي سمى عليًا لمنصف
وإن الذي سماه سيفًا لظالمه

وما كل سيف يقطع الهام حدُّه
وتقطع لزبات الزمان مكارمه


ولقد التزم المتنبي بهذا الموقف وثبت عليه طول حياته وكان ينطلق فيه من ثقته المطلقة بنفسه وإيمانه بأنه هو المتفضل بشعره على السلطان، وبأنه ليس للسلطان غنى عن هذا الفضل. وقد عبر عن ذلك بشيء من الالتواء:

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا
أن لا تفارقهم فالراحلون هم


وعبر عنه تعبيرا لا مواربة فيه وهو يهجو كافورا:

جوعان يأكل من زادي ويمسكني
لكي يقال عظيم القدر مقصود


وذهب الشراح مذاهب بعيدة في شرح معنى الشطر الأول من هذا البيت- قال الواحدي: وصفه بالجوع على معنى أنه للؤمه وبخله لا يشبع من الطعام .
ويقول عبد الرحمن البرقوقي في شرحه: وصفه بالجوع على معنى أنه للؤمه وشحه لا تسخو نفسه بشيء ولا يبغي حجره. وقوله: يأكل من زادي، قال الواحدي: لهذا وجهان: أحدهما أن المتنبي أتاه بهدايا وألطاف ولم يكافئه عنها، والآخر: أن المتنبي كان يأكل من خاص ماله عنده وينفق على نفسه مما حمله وهو يمنعه من الارتحال، فكأنه يأكل زاده حين لم يبعث إليه شيئًا ومنعه من الطلب، وقال قوم: كان الأسود قد جمع له شيئًا من غلمانه وخدمه ثم أخذه ولم يعطه شيئًا .
وغفر الله لهؤلاء الشراح الذين مسخوا معنى هذا البيت فإن (زاد) المتنبي هنا هو شعره، وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى شرح!
يثار هنا تساؤل: هل كان شاعرنا الثائر المتصدي للسلطان منتميا؟ هل كان المتنبي قرمطيا أو داعية من دعاة القرامطة كما قيل عنه؟
الحق أن الباحث الموضوعي لا يستطيع أن يقطع برأي في هذا ما لم تتوفر له أسانيد وأدلة يمكن الثقة بها والاطمئنان إليها. وليس بين أيدينا في الوقت الحاضر- فيما أعرف- ما يدل على أن المتنبي كان قرمطيا.
ومع ذلك فإن الاتجاه الباطني واضح في أغلب قصائده. ففي القصيدة التي يمدح بها علي بن أحمد بن عامر الأنطاكي والتي مطلعها:

أطاعن خيلا من فوارسها الدهر
وحيدًا وما قولي كذا ومعي الصبر


يستوقفنا قوله:

وأشجع مني كل يوم سلامتي
وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر


ويقول الواحدي في تفسيره:
يقول: سلامتي في بقائها معي في هذه المطاعنة أشجع مني وهذا مجاز والمعنى أني أسلم من هذه الحوادث فلا تصيب بدني ولا مهجتي بضرب. ثم قال: وما بقيت سلامتي معي إلا لأمر عظيم يظهر علي يدي .
ثم يمضي ثائرًا:

ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها
فمفترق جاران دارهما العمر

ولا تحسبن المجد زقًا وقينة
فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وتضريب أعناق الملوك وإن ترى
لك الهبوات السود والعسكر المجر

وتركك في الدنيا دويًا كأنما
تداول سمع المرء أنمله العشر


ثم يقول:

عليّ لأهل الجور كل طمرة
عليها غلام ملء حيزومه غمر

يدير بأطراف الرماح عليهم
كؤوس المنايا حيث لا تشتهى الخمر


وقيل في شرح عليّ لأهل الجور...
يقول يحق عليّ أن أسوق إلى أهل الظلم عسكرا لجبا فيه كل فرس نشيط يحمل فارسا قد امتلأ صدره حقدا عليهم وغيظا وحنقا فلا تأخذه بهم رأفة. .
و(أهل الجور) هم أبدا كل هَم المتنبي، يريد هنا أن يدير عليهم كؤوس المنايا، وهم (الناس) الذين يريد أن يروي رمحه بدمائهم حين يقول:

ومن عرف الأيام معرفتي بها
وبالناس روى رمحه غير راحم


وهم (الناس الصغار) ولكنهم أصحاب السلطان:

ودهر ناسه ناس صغار
وإن كانت لهم جثث ضخام

وما أنا منهم بالعيش فيهم
ولكن معدن الذهب الرغام

أرانب غير أنهم ملوك
مفتحة عيونهم نيام


وأهل الجور هم هولاء (الناس البعران) الذين يقول فيهم:

لو استطعت ركبت الناس كلهم
إلى سعيد بن عبد الله بعرانا!


وقال الصاحب بن عباد ينقد المتنبي: أراد أن يزيد على الشعراء في ذكر المطايا فأتى بأخزى الخزايا .
ولكن الصاحب كان حاقدا على المتنبي فتمسك بظاهر اللفظ وتغافل عن حقيقة معناه.
وأهل الجور هم (أهيل الزمان) في القصيدة التي يمدح بها علي بن محمد بن سيار بن مكرم التميمي ومطلعها:

أقل فعالي بله أكثره مجد
وذا الجد فيه نلت أم لم أنل جد


ويقول فيها:

أذم إلى هذا الزمان أهيله
فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد

وأكرمهم كلب وأبصرهم عمٍ
وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوًّا له ما من صداقته بد


يقول الدكتور طه حسين:
واقرأ هذه الأبيات التي تصور سخطه على الناس بل غلوه في هذا السخط والتي هي من أجمل شعر المتنبي لألوان التشاؤم التي ستنبث فيما سيقول من الشعر إلى أن يموت.
والحق أن المتنبي يصور في هذه الأبيات سخطه على الناس ولكن من هم هؤلاء الناس؟ إنهم بلا مراء أولئك الطغاة من أصحاب السلطان وأعوانهم. وهذا هو نهج المتنبي في كل شعره. والمتنبي هنا غير متشائم بل هو إلى التفاؤل أقرب، لأنه ثائر والتشاؤم بعيد عن طبيعة الثوار.
ويستوقفنا من هذه القصيدة هذا البيت الذي أثار جدلا بين الشراح:

بنفسي الذي لا يزدهي بخديعة
وإن كثرت فيها الذرائع والقصد


فابن جني يرى في هذا البيت هجوًا. ذكر الواحدي في شرحه ما يلي: قال ابن جني: كأنه قال بنفسي غيرك أيها الممدوح لأنني أزدهيك بالخديعة وأسخر منك بهذا القول... وهذا مذهبه في أكثر شعره لأنه يطوي المدح على هجاء حذقا منه بصنعة الشعر وتداهيًا كما كان يقول في كافور من أبيات ظاهرها مدح وباطنها هجاء .
ولقد رد ابن فورجة على ابن جني وذكر لنا الواحدي هذا الرد في شرحه: "قال ابن فورجة إنما فعل أبو الطيب ذلك في مدائح كافور استهزاء به لأنه كان عبدًا أسود لم يكن يفهم ما ينشده، وأما علي بن محمد بن سيار بن مكرم الذي يمدحه بهذه القصيدة فمن صميم بني تميم عربي لم يزل يمدح وينتابه الشعراء، لا يبعد من فهم وليس في هذا البيت ما يدل على أنه يعني به غيره بل يعنيه به."
وفي ظني أن رأي ابن جني في معنى هذا البيت هو الأرجح لأنه كان صديق المتنبي وقد لازمه وقرأ الديوان عليه فهو أعرف بنواياه وأكثر فهما له من سواه.
ولكافور عند المتنبي نصيب واف من الهجاء على طريقته في الإطراء وهو القائل فيه:

وقد أُري الخنزير أني مدحته
ولو علموا أن كان يهجى بما يطري


يقول ( الثعالبي) في (يتيمة الدهر): إن لأبي الطيب ابتداءات مستبشعة كقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أول لقية:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا


وفي الابتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة التي تنفر منها السوقة فضلاً عن الملوك.
وفي هذا البيت والذي بعده وهو:

تمنيتها لما تمنيت أن ترى
صديقا فأعيا أو عدوًا مداجيا


يقول الأستاذ محمود محمد شاكر واستقبال كافور بهذين البيتين هجاء دونه كل هجاء، فيه إقذاع وفحش وسخرية وتهكم .
وقال ابن جني: لما قرأت على أبي قوله في كافور:

وما طربي لما رأيتك بدعة
لقد كنت أرجو أن أراك فأطربُ


فقلت له لم تزد على أن جعلته إبازنه (وهي كناية القرد) فضحك أبوالطيب، فإنه بالذم أشبه منه بالمدح .
ويقول ابن جني إنه كان يقرأ على المتنبي قصيدته في كافورالتي يقول فيها:

يدل بمعنى واحد كل فاخر
وقد جمع الرحمن فيك المعانيا


ثم يعقب قائلا: لما وصلت إلى هذا البيت ضحكت وضحك وعرف غرضي. (وهو أنه أراد به الهجاء) ."
وقد عرّض المتنبي بكافور حين قال:

فدىً لأبي المسك الكرام فإنها
سوابق خيل يهتدين بأدهم

أغرّ بمجد قد شخصن وراءه
إلى خلق رحب وخلق مطهم


وقالوا: ومن رام معرفة مراد أبي الطيب في هذين البيتين فعليه بقول ابن الرومي وهو:

هم الغرة البيضاء من آل مصعب
وهم بقعة التحجيل والناس أدهم


وفي قصيدته التي قالها في كافور:

إنما التهنئآت للأكفاء
ولمن يدّني من البعداء

وأنا منك لا يهنئ عضو
بالمسرات سائر الأعضاء


قال الواحدي في معنى البيتين: إنما يهنئ الرجل نظراؤه والذين يتقربون إليه من الأجانب، أما أنا وأنت فإنسان واحد، وإذا ألمّ بإنسان فرح وعراه سرور اشتركت في ذلك جميع أعضائه فلم يهنئ بعضها بعضها . وكأن الواحدي قد ضاق ذرعا بالمتنبي فقال: وهذا طريق المتنبي يدعي لنفسه المساهمة والكفاءة مع الممدوحين في كثير من المواضع وليس ذلك للشاعر فلا أدري لم أحتمل ذلك منه !
وقد بلغ المتنبي غاية السخرية من كافورفي هذه القصيدة حين قال:

تفضح الشمس كلما ذرت الشمـ
ـس بشمس منيرة سوداء

إنما الجلد ملبس وابيضا
ض النفس خير من ابيضاض البقاء

من لبيض الملوك أن تبدل اللو
ن بلون الأستاذ والسحناء


قال وزير كافور(ابن حنزابه): إنه هـزئ بكافور في هذه الأبيات وقال (الوحيد) وهو أحد شراح ديوانه: كان المتنبي يعلم أن ذكر السواد على مسامع كافورمن الموت، فإذا ذكر لونه بعد ذلك فقد أساء إلى نفسه وعرضها للقتل والحرمان... ولكن الرجل كان سيء الرأي وسوء رأيه أخرجه من حضرة سيف الدولة... .
وموقف المتنبي من سيف الدولة هو نفس موقفه من أصحاب السلطان جميعًا. وأول ما أنشده القصيدة التي مطلعها:

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه
بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه


وقد أثار هذا البيت اللغز نقاشًا طويلاً بين الشراح والنقاد، وعندي أن المتنبي، وقد تهيأ لهذه القصيدة طويلاً قد تعمد هذا الالتواء في مطلعها، وهو أسلوب من أساليبه في التعمية والتمويه ليصرف الأذهان بهذا التعقيد، ولو إلى حين، عن التفكير في المعنى الذي أخفاه في البيتين اللذين قالهما بعد المطلع مباشرة وهما:

وما أنا إلا عاشق كل عاشق
أعق خليليه الصفيين لائمه

وقد يتزيا بالهوى غير أهله
ويستصحب الإنسان من لا يلائمه


في هذين البيتين يعرض المتنبي بسيف الدولة ويحدد موقفه منه بكل صدق وصراحة، وكأنه أراد أن يقول له:
جئتك وأنا عاشق مشدود إلى معشوقه، ولكنك لست هذا المعشوق أيها الأمير! فما أنت على شاكلتي، وشتان ما بيننا. أنت لست مني، وأنا لست منك، أيها الأمير! ولكنني أتكلف حجتك، وألبس لك لبوس الهوى!
قال أبو الفرج الببغاء: كان أبو الطيب يشكو من سيف الدولة، وكان سيف الدولة يغتاظ من تعاظمه ويجفو عليه إذا كلمه والمتنبي يجيبه في أكثر الأوقات ويتغاضى في بعضها .
وقال لنا الرواة إنه حين أنشد سيف الدولة قصيدته التي مطلعها:

وا حر قلباه ممن قلبه شبم
ومن بجسمي وحالي عنده سقم


همَّ جماعة بقتله لشدة إدلاله فيها وإعراض سيف الدولة عنه.
وقد عرّض بسيف الدولة حين قال:

يا أعدل الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم


وعرّض بأبي فراس حين قال:

أعيذها نظرات منك صادقة
أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم


فيغلظ أبو فراس له بالقول: ومن أنت يا دعيّ كندة حتى نأخذ أعراض أهل الأمير في مجلسه؟
ولكن المتنبي لا يعبأ بهذا القول بل يمضي في إنشاده مدلا بنفسه مفاخرا بها معجبا بها كل الإعجاب:

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من تسعى به قدم

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم

والخيل والليل والبيداء تعرفني
والحرب والضرب والقرطاس والقلم


فيقاطعه أبو فراس قائلا: وما أبقيت للأمير وأنت تأخذ جوائز الأمير؟
هنالك يستشيط الأمير غضبا فيقذف المتنبي بالدواة التي بين يديه... ثم يعود فيرضى عنه في الحال ويقربه إليه ويقبل رأسه ويجزل له في العطاء وقد بهره قوله:

إن كان سركم ما قال حاسدنا
فما لجرح إذا أرضاكم ألم .


قد تكون هذه القصة كما نقلها الرواة إلينا بهذا الشكل موضوعة وبعيدة عن التصديق، غير أن قصيدة المتنبي هذه حقيقة قائمة لا يمكن لأي أحد أن ينكرها، وهي شاهدة له على أصالة ثوريته وعلى ثبات موقفه من السلطان.
وفي هذه القصيدة يقول الثعالبي:
وهي على براعتها واستقلال أكثر أبياتها بأنفسها تكاد تدخل في باب إساءة الأدب بالأدب .
ولقد روى لنا صاحب كتاب الصبح المنبي عن حيثية المتنبي أن المتنبي حين أنشد ابن العميد قصيدته التي يقول فيها:

بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا
وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى

كم غر صبرك وابتسامك صاحبًا
لما رآك وفي الحشى ما لا يرى


قال له ابن العميد:
يا أبا الطيب، تقول باد هواك ثم تقول بعده كم غرّ صبرك؟ ما أسرع ما نقضت ما ابتدأت به! فقال: تلك حال وهذه حال .
وقد فسر بعض الشراح قول المتنبي تلك حال وهذه حال بأن مراده أن الحال التي يذكرها في البيت الثاني سابقة على الحال المذكورة في البيت الأول .
وما أغرب هذا التفسير!
ويرى الأستاذ محمود محمد شاكر أن الذي أوقع المتنبي في هذا التناقض هو حبه لخولة أخت سيف الدولة فقال: "وهذه حالة من أحوال الحب الطاغي المسيطر ذي السلطان والغلبة وظهورها في شعر أبي الطيب في بيتين متعاقبين ينقض معنى أحدهما معنى الآخر كما قال ابن العميد دليل على أن الرجل كان أخيذًا في أسر الهوى لا يملك نفسه ولا يجد في تناقض معاني البيتين شيئا.. .
وما أبعد هذا المعنى عن قصد المتنبي!
وعندي أن المتنبي كان يقصد إلى التعريض بابن العميد، ولقد أدرك ابن العميد هذا القصد فأراد أن يغيضه بقوله: ما أسرع ما نقضت ما ابتدأت به!
ولكن ما هو معنى البيتين؟
في البيت الأول يقول: إن هواي باد عليّ سواء أأظهرته أم تكلفت كتمانه، وهذا الهوى ليس لك أيها الوزير! كأنه يريد أن يتحداه قائلا: إن ولائي ليس لك!
أما في البيت الثاني فيقول: إن ظاهر موقفي منك لا يدل على ما أضمره لك، فلا يغرّنك ما تراه مني! وإني لك إن تدرك ما أخفيه وفي الحشى ما لا يُرى!
وهذا هو نهج المتنبي في كل مواقفه من السلطان، ولقد أخذ الدكتور طه حسين على الشاعر تقصيره في مدح ابن العميد فقال: الإنصاف يقتضينا أن نقول إن المتنبي أخذ من ابن العميد أكثر مما أعطاه فقد قصر الشاعر من غير شك عن مدح هذا الرجل الذي كان بعقله وأدبه وسياسته وكرمه زينة لمعاصريه .
أما موقف المتنبي من عضد الدولة فقد عرض له الأستاذ محمود محمد شاكر في دراسته القيمة عن المتنبي حين حلل أجمل تحليل قصيدته التي يقول فيها:

مغاني الشعب طيبًا في المغاني
بمنزلة الربيع من الزمان

ولكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان

ملاعب جنةٍ لو سار فيها
سليمان لسار بترجمان


فقال فيها هذا هجاء بيَّن لأرض فارس وأهلها، فقد زعم أن سليمان عليه السلام- الذي عُلِّم منطق الجن والطير والحشرات والبهائم- لو دخل أرضهم لاحتاج إلى ترجمان، فأخرجهم بذلك من منزلة من ذكرنا وجعلهم دونهم، وإنه من هوانهم على الله وقلتهم في الأرض- لم يعلم الله سليمان لسانهم، وليس يخفى هذا على عضد الدولة.
ثم مضى قائلا: ولم يكتف أبو الطيب بذلك بل اتبع هذا قوله:

إذا غنى الحمام الورق فيها
أجابته أغاني القيان

ومن بالشعب أحوج من حمام
-إذا غنى وناح- إلى البيان


فتمم المعنى وأبان مقصده من الأبيات الأولى إذ جعلهم أقل منزلة من الطير في البيان والإفصاح. ولم يكتف بهذا بل أراد أن يعلم عضد الدولة أن هذه البلاد ليست مكانه الذي يرتاح إليه وليست بالأرض التي تحرص عليه ويحرص عليها وأنه غريب عنهم وإن مدحه لهم ليس شيئا وأنه عربي وليس بأعجمي يميل إليهم أو يكـون له شأن بينهم .

* * *

ولعل أطرف بيت قاله المتنبي وأقساه وقعًا على قلب الممدوح هذا البيت من قطعة قالها ارتجالا حين دخل على علي بن إبراهيم التنوخي فعرض عليه كأسا من الخمر:

أغار من الزجاجة وهي تجري
على شفة الأمير أبي الحسين


قال الواحدي: وأساء أبو الطيب لأن الأمراء لا يغار على شفاههم .
وقال الثعالبي: وهذه الغيرة إنما تكون بين المحب ومحبوبه .
وعندي أن المتنبي كان يقصد بهذا البيت إلى السخرية من الأمير والتهكم عليه ولعله أراد أن يفضحه ويهتك ستره، وكأني بالأمير أبي الحسين وقد صحا من سكره ووعى ما قاله المتنبي فيه أدرك أي حرج أصابه قال لمن حوله غاضبا:
لقد فضحنا!
ثمة قصائد ثلاث في ديوان المتنبي استرعت انتباهي فوقفت عندها طويلا. هذه القصائد قالها المتنبي وهو يمدح أصحاب السلطان في مناسبات ثلاث كان النصر حليفهم فيها ضد أعدائهم من القرامطة.
وسنرى عند تحليل هذه القصائد أن المتنبي كان يشيد فيها بهؤلاء الخارجين على السلطان ويتعاطف معهم وينكر على السلطان موقفه منهم!
أما القصيدة الأولى فقد قالها في سيف الدولة بعد أن أخمد ثورة المبرقع وأصحابه سنة 337 هـ.
يقول الثعالبي: ظهر رجل في الغرب يعرف بالمبرقع يدعو الناس إلى نفسه والتفت عليه القبائل وافتتح مدائن من أطراف الشام وأسر أبا وائل تطلب بن داود بن حمدان وهو خليفة سيف الدولة على حمص وألزمه شراء نفسه بعدد من الخيل وجملة من المال، فأسرى سيف الدولة من حلب يغذ السير حتى لحقه في اليوم الثالث بنواحي بدمشق فأوقع به وقتله ووضع السيف في أصحابه فلم ينج إلا من سبق فرسه، وعاد سيف الدولة إلى حلب ومعه أبو وائل وبين يديه رأس الخارجي على رمح.
ويقف أبو فراس الحمداني بين يدي سيف الدولة فينشده قصيدته التي يقول فيها:

وآب ورأس القرمطي أمامه
له جسد من أكعب الرمح ضامر


وقالوا: وهذا من أحسن ما قيل في الرأس المصلوب على الرمح .
وكان لا بد للمتنبي من أن ينشد في هذا الموقف فماذا قال؟
بدأ قصيدته بهذا المطلع:

إلامَ طماعية العاذل
ولا رأي في الحب للعاقل


ثم مضى فيها متعاطفا مع هؤلاء الخارجين على السلطان، يظهر لهم كل حبه ووفائه وإخلاصه في هذين البيتين:

يراد من القلب نسيانكم
وتأبى الطباع على الناقل

وإني لأعشق من عشقكم
نحولي وكل امرئ ناحل


ثم يأخذ في رثائهم فيتفجع لهم ويبكيهم أصدق البكاء فيقول:

ولو زلتم ثم لم أبككم
بكيت على حبي الزائل

أينكر خدي دموعي وقد
جرت منه في مسلك سابل

أأول دمعٍ جرى فوقه
وأول حزن على راحل

وهبت السلو لمن لامني
وبت من الشوق في شاغل


ثم يعرّض بسيف الدولة فيصفه بالقاتل، ويحرض من طرف خفي على الثأر منه حين يقول:

فإن الحسام الخضيب الذي
قتلتم به في يد القاتل


ثم ينهي قصيدته وهو ساخط ناقم، مكتئب النفس ضيق الصدر فيقول:

فذي الدار أخون من مومس
وأخدع من كفة الحابل

تفانى الرجال على حبها
وما يحصلون على طائل


وفي هذا البيت الأخير تعريض أي تعريض بسيف الدولة، كأنه أراد أن يقول له: إن حرصك على هذا السلطان الزائل هو الذي دعاد إلى الفتك بهؤلاء الثوار، فيا لك من خائب خاسر!.

* * *

أما القصيدة الثانية فهي تلك التي قالها في كافورسنة 348 هـ حين خرج عليه شبيب العقيلي القرمطي فتمكن كافور منه وقضى عليه.
يبدأ المتنبي قصيدته بهذا المدح المبطن بالهجاء لكافور فيقول:

عدوك مذموم بكل لسان
ولو كان من أعدائك القمران

ولله سر في علاك وإنما
كلام العدا ضرب من الهذيان


في معنى البيت الأول يقول ابن جني: هذا المدح ينعكس هجاء. يقول: أنت رذل ساقط والساقط لا يضاهيه إلا مثله، وإذا كان معاديك مثلك فهو مذموم بكل لسان كما أنك كذلك ولو عاداك القمران .
ويقول الواحدي في معنى البيت الثاني:
وهذا إلى الهجاء أقرب لأنه نسب علوه على الناس إلى قدر جرى به من غير استحقاق، والقدر قد يوافق بعض الناس فيعلو ويرتفع على الأقران وإن كان ساقطا باتفاق من القضاء .
ثم يمضي المتنبي في قصيدته فيأخذ في تمجيد شبيب العقيلي قائلا:

فإن يك (إنسانًا) مضى لسبيله
فإن المنايا غاية الحيوان


وكلمة (الإنسان) من صفات التشريف عند المتنبي وهو القائل:

قد شرف الله أرضًا أنت ساكنها
وشرّف الناس إذ سواك (إنسانا)


ثم يستمر المتنبي في الإشادة بشبيب وتكريمه والتعريض بعدوه كافور قائلا:

وما كان إلا النار في كل موضع
تثير غبارا في مكان دخان

فنال حياة يشتهيها عدوه
وموتا يشهي الموت كل جبان


ثم يقول في شبيب مخاطبا كافورا:

وقد قتل الأقران حتى قتلته
بأضعف قرن في أذل مكان


قال ابن جني: لما أنشد أبو الطيب هذا البيت بحضرة كافور قال كافور: لا والله بل بأشد قرن في أعز مكان! .
ويمضي المتنبي في قصيدته على هذا النهج، ثم يختتمها بهذا البيت:

لو الفلك الدوار أبغضت سعيه
لعوّقه شيء عن الدوران


وهو يسخر هنا من كافور ويستخف به ويتهكم عليه حين يرد انتصاراته لا إلى حنكته وكفاءته وقوة بأسه، ولا إلى ضعف عدوه وتخاذله وقلة حيلته، بل إلى قدر مقدر وقضاء مدبر لا سلطان لأحد على دفعه!
أما القصيدة الثالثة فهي التي قالها في أبي الفوارس دلير بن لشكروز سنة 353 هـ وكان قد جاء إلى الكوفة لقتال القرامطة من بني كلاب ولكن هؤلاء كانوا قد انصرفوا عنها قبل وصول دلير إليها.
ويبدأ القصيدة قائلا:

كدعواك كل يدعي صحة العقل
ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل

لهنك أولى لائم بملامة
وأحوج ممن تعذلين إلى العذل


يقول الواحدي في شرح البيت الأول:
يقول للعاذلة: كل واحد يدعي صحة عقله كدعواك، يعني أنك بلومك إياي تدعين أنك أصح عقلا مني وليس يعلم أحد جهل نفسه لأنه لو علم جهل نفسه لم يكن جاهلاً .
وفي معنى البيت الثاني يقول الواحدي:
يقول للعاذلة: أنت أولى بالملامة وأنت أحوج إلى العذل مني لأني من أجبته لا يلام على حبه .
ترى أية إشارة يخفيها المتنبي في هذين البيتين؟
أغلب الظن أن (العاذلة) هنا إشارة إلى أبي الفوارس دلير نفسه وكأني بالمتنبي يريد أن يقول لأبي الفوارس:
أنت تزعم أنك على حق في موقفك من بني كلاب، وأنهم على باطل، يا لك من جاهل لا يدري بما هو فيه من جهل، فظاهر باطلك!
ثم يمضي في قصيدته قائلا:

ذريني أنل ما لا ينال من العلى
فصعب العلى في الصعب والسهل في السهل

تريدين لقيان المعالي رخيصة
ولا بد دون الشهد من أبر النحل


في هذا الأخير يتعاطف المتنبي مع الخارجين على السلطان ويواسيهم ويتألم لهم ويدعوهم إلى الصبر واحتمال الشدائد فلا بد دون الشهد من أبر النحل!
ومما يستلفت النظر في هذا البيت كلمة (لقيان) فهي هنا رموز المتنبي يمثل تجاوبه مع الثوار. وتظهر لنا دلالة هذا الرمز بوضوح حين نقرأ ما نقله الرواة أن المتنبي قد احتج في شرح بيته هذا، بقول أبي القاسم الخارجي الذي خرج بالشام أيام المكتفي بالله العباسي وهو:

أحب لقيان عدو ربي
والموت فيه راحة المحب


ثم يمضي في القصيدة قائلا:

فلا عدمت أرض العراقين فتنة
دعتك إليها كاشف الخوف والمحل


في الشطر الأول يحرض المتنبي على الثورة ويدعو إليها في العراقين الكوفة والبصرة، أما الشطر الثاني كما هو إلا تعمية للمعنى الذي أراده في الشطر الأول.
ثم يسخر المتنبي من أبي الفوارس دلير بالغ السخرية ويتهكم عليه بهذا البيت:

فإن تك من بعد القتال أتيتنا
فقد هزم الأعداء ذكرك من قبل


وما دام دلير قد جاء بعد انتهاء القتال فالويل له من لسان المتنبي. قال يهزأ به: شفى كل شاك سيفه وقال ساخرا منه: شجاع كأن الحرب عاشقة له ونال منه وشفى غليله بهذا البيت:

وما دام دلير يهز حسامه
فلا ناب في الدنيا لليث ولا شبل


ويختم قصيدته بهذا البيت الذي يعرض فيه بدلير ويشير إلى أصله الأعجمي:

فلا قطع الرحمن أصلاً أتى به
فإني رأيت الطيِّب الطيِّب الأصل!


ليس من مهمتي هنا أن أبحث في عقيدة المتنبي ولو أردت ذلك لانتهى بي البحث إلى طريق مسدود، ذلك لأن أقوال الشعراء لا تنهض دليلا على عقائدهم، والله تعالى يقول فيهم:
ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون.
غير أن المتنبي قد أثار عليه حفيظة النقاد حين تعرض في بعض شعره لما يمس العقيدة الإسلامية.
يقول ( الثعالبي) في (يتيمة الدهر) وهو يعرض بعض أبيات للمتنبي تكشف عن ضعف العقيدة ورقة الدين: إن الديانة ليست عيارا على الشعراء ولا سوء الاعتقاد سببا لتأخر الشاعر ولكن للإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به قولا وفعلا ونظما ونثرا، ومن استهان بأمره ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في موضع استحقاقه فقد باء بغضب من الله تعالى وتعرض لمقته في وقته ثم يمضي قائلا:
وكثيرا ما قرع المتنبي هذا الباب بمثل قوله:

يترشفن من فمي رشفات
هن فيه أحلى من التوحيد


ولقد أثار هذا البيت جدلا بين الشراح فمنهم من قال:
هذا إفراط وتجاوز حد. ومنهم من قال: إن المتنبي إنما أنشده هكذا: هن فيه حلاوة التوحيد. ورأى بعضهم أن التوحيد نوع من تمر العراق.
ويقول المتنبي:

تمتع من سهاد أو رقاد
ولا تأمل كرىً تحت الرجام

فإن لثالث الحالين معنىً
سوى معنى انتباهك والمنام


ويعلق ابن جني على هذين البيتين قائلا: أرجو ألا يكون أراد بذلك أن نومة القبر لا انتباه لها .
ويقول المتنبي:

لو كان ذو القرنين أعمل رأيه
لما أتى الظلمات صرن شموسا

أو كان صادف رأس عازر سيفه
في يوم معركة لأعيا عيسى

أو كان لج البحر مثل يمينه
ما انشق حتى جاز فيه موسى


ولقد عابه على هذه الأبيات بعض النقاد القدامى فقال (الثعالبي): وكأن المعاني أعيته حتى التجأ إلى استصغار أمور الأنبياء .
وقال الصاحب بن عباد وهو يعلق على بيت المتنبي:

لعظمت حتى لو تكون أمانة
ما كان مؤتمنا بها جبرين


وقلب هذه اللام إلى النون أبغض من وجه المنون، ولا أحسب جبريل عليه السلام يرضى منه بهذا المجون، هذا على ما في معنى البيت من الفساد والقبح .
ترى ما الذي دعا المتنبي إلى أن يقرع هذا الباب؟ هل أعيته المعاني حقا؟ وكيف تعييه وهو كما قال عن نفسه رب المعاني الدقاق.
وعندي أن المتنبي لم يقصد هنا إلى المبالغة في المدح، ولم يرد إضفاء صفات الأنبياء على الممدوح، وإنما اتخذ ذلك رمزا باطنيا.
يقول الإمام الغزالي: أما الباطنية فإنما لقبوا بها لدعواهم إن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر .
ويقول الديلمي عن الباطنية: وأما في النبوات فقولهم قريب من قول الفلاسفة وينكرون الوحي ومجيء الملائكة والمعجزات ويقولون كلها رموز وإشارات وأمثال وممثلات لم يعلمها أهل الظاهر .
ويظهر أثر الباطنية واضحا في القصيدة التي قالها المتنبي في صباه ومطلعها:

ضيف ألم برأسي غير محتشم
والسيف أحسن فعلا منه باللمم


ومنها هذه الأبيات:

لقد تصبرت حتى لات مصطبر
فالآن أقحم حتى لات مقتحم

بكل منصلت ما زال منتظري
حتى أدلت له من دولة الخدم

شيخ يرى الصلوات الخمس نافلةً
ويستحلّ دم الحجاج في الحرم


وفي معنى البيت الأخير يقول ابن القطاع: كل من فسر الديوان قال: الشيخ هنا: واحد الشيوخ من الناس. يقول: انتصر على أعدائي بكل شيخ ماض في أموره، لا يبالي بالعواقب، مستحل للمحارم، سافك للدماء، وهذا بالهجاء أشبه، وإنما المعنى أن الشيخ هنا السيف، فإن الشيخ من أسمائه .
وعندي أن الشيخ، هنا ليس هو السيف وليس هو واحد الشيوخ وإنما هو رمز للإمام كما يراه الباطنية.
يقول الديلمي عنهم وأما في الإمامة فاتفقوا على أنه لا بد في كل عصر من إمام معصوم يرجع إليه في جميع العلوم ولا يلتفت إلى العقول أصلا .
وقال عنهم الإمام الغزالي: واتفقوا على أن الإمام يساوي النبي في العصمة والاطلاع على حقائق الحق في كل الأمور إلا أنه لا ينزل إليه الوحي وإنما يتلقى ذلك من النبي فإنه خليفته وبإزاء منزلته .
ويقول الديلمي عن الباطنية:
ويقولون للشرائع باطن، لا يعرفه إلا الإمام ومن ينوب منا به ويقول كذلك:
وأما الصلاة فقد ذكروا فيها تأويلات كثيرة تدل على أن غرضهم الإلحاد وإبطال الشرع الشريف.... وأما الحج ففيه تأويل أيضا .

* * *

وهناك بيت قاله المتنبي في مطلع قصيدة له يمدح بها علي ابن إبراهيم التنوخي، قد عابه النقاد وأنكروه وأثار جدلا بين الشراح، هذا البيت هو:

أحاد أم سداس في أحاد
لييلتنا المنوطة بالتناد


قال عنه الصاحببن عباد إنه من عنوان قصائده التي تحير الأفهام وتفوت الأوهام وتجمع من الحساب ما لا يدرك بالارتيماطيقي وبالأعداد الموضوعة للموسيقى ويمضي الصاحب في قوله ساخرا: وهذا كلام الحكل ورطانة الزط، وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع من مادحه فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة والمعاني المنبوذة، فأي هزة تبقى هناك؟ وأي أريحية تثبت هنا؟.
وقال عنه الدكتور طه حسين: واقرأ معي داليته التي يمدح بها علي بن الحسين ولا تطل الوقوف عند مطلعها الغامض البغيض الذي أنكره القدماء ورأوا فيه ألغازا وخطًأ في الحساب.
وبعدًا عن الشعر.

أحاد أم سداس في أحاد
لييلتنا المنوطة بالتنادي


لا تقف عند هذا البيت السخيف الذي تجد مثله كثيرًا في أجمل شعر المتنبي وأروعه، بل تجاوزه إلى ما قاله الشاعر بعد .
وقال الواحدي في تفسيره: وأكثروا في معنى هذا البيت ثم لم يأتوا ببيان مفيد موافق اللفظ، وإن حكيت ما قالوا فيه طال الكلام ولكني أذكر ما وافق اللفظ من المعنى وهو أنه أراد واحدة أم ست في واحدة، وست في واحدة إذا جعلتها فيها كالشيء في الظرف ولم ترد الضرب الحسابي، سبع، وخص هذا العدد لأنه أراد ليالي الأسبوع وجعلها اسما لليالي الدهر كلها لأنه كل أسبوع بعد أسبوع آخر إلى آخر الدهر. يقول: هذه الليلة واحدة أم ليالي الدهر كلها جمعت في هذه الواحدة حتى طالت وامتدت إلى يوم القيامة.
ويرى (ماسينيون) أن العدد في هذا البيت يرمز إلى (بنات نعش) وفسره بالبيت الذي يليه:

كأن بنات نعش في دجاها
خرائد سافرات في حداد


وعندي أن بيت المتنبي هذا الذي أنكره النقاد ينطوي على رموز باطنية وهو يشير إلى معتقد الباطنية في الإمامة. ذلك أن كلمة (لييلتنا) في الشطر الثاني من البيت لا تعني: هذه الليلة، كما قالوا، إنما الليل يعني عند الباطنية السر والكتمان.
معنى عجز البيت إذن هو (أن سرنا يبقى إلى آخر الدهر) ما هو هذا السر؟ إنه مخبوء في صدر هذا البيت فلنبحث عنه.
وواضح أن المتنبي يعبر هنا تعبيرا رمزيا عدديا أساسه أن (الواحد) هو قوام الأعداد جميعًا وأن أي عدد من الأعداد إنما هو تكرار للواحد. ويشير محيي الدين بن عربي إلى هذه الفكرة في (كتاب الأحدية) قائلا: فما ثم إلا الواحد والاثنان إنما هو واحد وكذلك الثلاثة والأربعة والعشرة والمائة والألف إلى ما لا يتناهى، ما تجد سوى الواحد ليس أمرًا زائدًا .
ولكن ابن عربي كان يعبر بالرمز العددي عن فلسفته في وحدة الوجود، أما المتنبي فقد عبر به عن فكرة أخرى. أنه يقف بالواحد عند العدد (ستة) فهو إذن يكرر الواحد ست مرات فما الذي قصد إليه بذلك؟
في ظني أن المتنبي يرمز هنا بالآحاد إلى (النبي) كما يراه الباطنية، ويرمز بالسداس إلى (الأئمة الستة) الذين يتعاقبوه بعد وفاته إمامًا بعد إمام كما يعتقد الباطنية.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه (فضائح الباطنية) وهو يعرض لمعتقدهم في الإمامة:
وقد اتفقوا على أنه لا بد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكالات في القرآن والأخبار والمعقولات، واتفقوا على أنه المتصدي لهذا الأمر، وأن ذلك جار في نسبهم لا ينقطع أبد الدهر.
ويقول عنهم كذلك: ثم إنهم قالوا: كل نبي لشريعته مدة، فإذا انصرمت مدته بعث الله نبيًا آخر ينسخ شريعته. ومدة شريعة كل نبي سبعة أعمار، وهو سبعة قرون. فأولهم هو النبي الناطق، ومعنى الناطق أن شريعته ناسخة لما قبله، ومعنى الصامت أن يكون قائما على ما أسسه غيره. ثم إنه يقوم بعد وفاته ستة أئمة: إمام بعد إمام، فإذا انقضت أعمارهم ابتعث الله نبيًا آخر ينسخ الشريعة المتقدمة. .
ولقد لاحظ النقاد أن المتنبي كان يقصد أحيانًا إلى امتثال ألفاظ المتصوفة واستعمال كلماتهم المعقدة ومعانيهم المغلقة وذكروا أمثلة على ذلك من شعره.
فما الذي كان يدعوه إلى ذلك؟ أهو التقليد والمحاكاة؟ كلا! وعندي أن المتنبي كان يريد بذلك التعمية والتمويه يتوسل بهذا الأسلوب إلى غرض لم يشأ أن يفصح عنه بوضوح.
ويوضح هذا الذي أقوله قصيدته التي قالها في صباه في أبي الفضل ومطلعها:

كفى أراني ويك لومك ألوما
هم أقام على فؤاد أنجما


ومنها هذه الأبيات:

يا أيها الملك المصفى جوهرًا
من ذات ذي الملكوت أسمى من سما


قال الواحدي: يريد بالجوهر الأصل والنفس، وذات ذي الملكوت هو الله تعالى. يقول: أيها الملك الذي خلص جوهرًا أي أصلاً ونفسًا من عند الله، أي الله تعالى تولى تصفية جوهره لا غيره فهو جوهر مصفى من عند الله تعالى، وهذا مدح يوجب الوهم وألفاظ مستكرهة في مدح البشر وفي ظني أن شخصية هذا الممدوح موهومة ولا وجود لها.
وأن المتنبي يرمز به إلى الإمام المعصوم كما يراه الباطنية. وهو يشير إليه أيضا بالبيت الذي يليه:

نور تظاهر فيك لاهوتية
فتكاد تعلم علم ما لن يعلما


قال الواحدي في شرحه: يقول: قد ظهر فيك نور إلهي تكاد تعلم به الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله عز وجل .
ثم يقول المتنبي:

أنا مبصر وأظن أني نائم
من كان يحلم بالإله فأحلما

كبر العيان عليّ حتى أنه
صار اليقين من العيان توهما


قال الواحدي في تفسير البيت الأول:
يقول: أنا أبصرك وأظن أني أراك في النوم، فإنما قال هذا استعظامًا لرؤيته... وذلك أن الإنسان إذا رأى شيئًا يعجبه وأنكر رؤيته يقول أرى هذا حلما .
وقال الواحدي في تفسير البيت الثاني:
يقول: عظم عليّ ما أعانيه من الممدوح وحاله حتى شككت فيما رأيت إذ لم أر مثله ولم أسمع به حتى صار المعاين كالمتوهم المظنون الذي لا يرى .
وعندي أن المتنبي لا يعني بالعيان هنا ما يعاينه من الممدوح، ولا يعني به العيان الصوفي، وإنما يريد به أنه كان يعاين من وراء حجب الحاضر عالم المستقبل، فماذا رأى؟ ما هو هذا العيان الذي كبر عليه حتى صار ما رآه كالمتوهم المظنون الذي لا يرى؟
في هذين البيتين يبين لنا المتنبي رؤيته:-

يا من لجود يديه في أمواله
نقم تعود على اليتامى أنعما

حتى يقول الناس ماذا عاقلا
ويقول بيت المال ماذا مسلما


قال الواحدي في تفسير البيت الأول:
يقول: جودك يفرق مالك لمأنه ينتقم منه كما ينتقم من العدو بإهلاكه وتلكم النقم في أموالك نعم على الأيتام لأن التفريق فيهم، ولو روى على البرايا كان أعم وأشمل لأن الأيتام مقصور على نوع من الناس .
وقال الواحدي في تفسير البيت الثاني:
يقول: يفرط في جوده حتى ينسبه الناس إلى الجنون ويقول بيت المال: ليس هذا مسلمًا لأنه فرق بيوت أموال المسلمين ولم يدع فيها شيئًا .
وعندي أن هذا المعنى الذي ذهب إليه الواحدي بعيد عن قصد المتنبي، وأن المتنبي كان يعني (بالنقم التي تعود على اليتامى أنعما) أن الشر لا يدفع إلا بالشر، وأن النقم التي ستصب على الظالمين، سوف تنقلب لا محالة خيرًا على المظلومين، وستعاد الحقوق إلى أهلها وستنزع من أهل الجور عنوة كل الأموال التي اغتصبوها ثم توزع بالعدل بين كل المستضعفين والمحرومين (وقد رمز المتنبي لهم باليتامى).
ويومئذ سيقول الناس، وهم في ذهول لما يرون لأنهم لم يألفوا مثله من قبل: أي جنون هذا!
ويومئذ سيقول القائمون على بيت مال المسلمين، وقد أمروا أن يوزعوا الأموال على مستحقيها من المستضعفين، وكانوا من قبل قد ألفوا توزيعهـا على المقربين من السلطان: ما بهذا أمر الدين!
ألا ويل لهم مما يفترون، أو لم يفقهوا قول الله تبارك وتعالى: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.
وبهذا كان يحلم المتنبي، وإلى مثل هذا كان طموحه، ولعل هذا ما يفسر قوله:

يقولون لي ما أنت في كل بلدة
وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elmasrawia.own0.com
 
الاتّجَاهُ البَاطِنيّ في شِعرِ المُتَنَبّي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المصراويه :: الفئه الثانيه :: ادب :: المتنبى-
انتقل الى: