المصراويه

إسلاميات.المواقع الرياضيه.أفلام.الصحف اليوميه. وظائف
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 استهزاء المتنبي بسيف الدولة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
romero
Admin


المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 21/04/2011

مُساهمةموضوع: استهزاء المتنبي بسيف الدولة    الثلاثاء أبريل 26, 2011 1:28 pm







بقلم محمدالصالح آل إبراهيم





لقد كان المتنبي شعلة من ذكاء وعظمة من فطنة وآية من عقل، وكانت نفسه ثائرة لا ترى لأحد فضلاً ولا تعترف بعظمة غير عظمتها.


إن أكن معجبا فعجب عجيب
ما رأى فوق نفسه من مزيد


وإن من يدرس نفسية أبي الطيب ويمحص آراءه يطلع من تصريحاته وتلميحاته على أن ليس هناك رجل يستحق المكانة العليا والزعامة الكبرى سواه:


أنا في أمة تداركها اللـ
ـه غريب كصالح في ثمود

ما مقامي بأرض نخلة إلا
كمقام المسيح بين اليهود


وهو لا يرى الناس إلا ترابا ملقى لا قيمة له ولا فائدة فيه وإن كان هو منهم فإنما الذهب من التراب واللؤلؤ من الصدف والسحاب من البحر.


ودهر ناسه ناس صغار
وإن كانت لهم جثث ضخام

وما أنا منهم بالعيش فيهم
ولكن معدن الذهب الرغام


ثم هو مع هذا الاحتقار لعامة الناس كافة لا يعترف للخاصة بأي ميزة فعالمهم عنده جاهل. وكيسهم غبي وكريمهم لئيم، وذو البصيرة أعمى.

أذم إلى هذا الزمان أهيله
فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد

وأكرمهم كلب وأبصرهم عم
وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد


ونظرة إلى حياة المتنبي نجد أن الغالب على طبعه طلب المجد وحب المخاطرة والسمو إلى عيش القوة والسيطرة فهو لا يريد أن يخضع ولا أن يذل ولا أن يظهر بمظهر المستكين..

لتعلم مصر ومن بالعراق
ومن بالعواصم أني الفتى

وأني وفيت وأني أبيت
وأني عتوت على من عتى


وينظر أبو الطيب إلى الحياة نظرة فيها الكثير من القسوة فهو يعترف بالقوة في كل شيء وهي المسيطرة ولذلك سيتخذها طريقا لمجده، وسيحارب كل من يقف في وجهه، وليس هناك غاية تعز عليه أو تعجزه، وليس هناك من يستطيع رده عن مراده..

سأطلب حقي بالقنا ومشايخ
كأنهم من طول ما التثموا مرد

ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا
كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا


وبالطبع من كان هذا جنده سيكون النصر حليفه وهو لا يقيم على ضيم، ولا يقبل أن يكون عرضه للإهانة، لأن نفسه الكبيرة لا تستعظم غير ذاتها وروحه العالية لا تقبل إلا حكم خالقه.

تغرب لا مستعظما غير نفسه
ولا قابلا إلا لخالقه حكما


وفي هذا القول رد على من يزعم أنه ادعى النبوة وأنه قليل الإيمان بالله ، ولا يخفى ما في هذا البيت من تطلع إلى الحرية وإباء عظيم وشموخ عال.
وهو يؤمل أن يعيد لأقوام مدحهم حربا شعواء..

لله حال أرجيها وتخلفني
وأقتضي كونها دهري ويمطلني

مدحت قوما وإن عشنا نظمت لهم
قصائدا من إناث الخيل والحصن

فلا أحارب مدفوعا على جدر
ولا أصالح مغرورا على دخن


وهو سيعد العدة لهذه الحرب...


علي لأهل الجور كل طمرة
عليها غلام ملء حيزومه غمر

يدير بأطراف الرماح عليهم
كؤوس المنايا حيث لا تشتهى الخمر

وكم من جبال جبت تشهد أنني
الجبال وبحر شاهد أنني البحر


وهو سيقف صامدًا مهاجما لنكبات الدهر ومصاعبه حتى ينتصر...


ولا أظن بنات الدهر تتركني
حتى تسد عليها طرقها هممي

لقد تصبرت حتى لات مصطبر
فالآن أقحم حتى لات مقتحم

لأتركن وجوه الخيل ساهمة
والحرب أقوم من ساق على قدم

أيملك الملك والأسياف ظامئة
والطير جائعة لحم على وضم

من لو رآني ماء مات من ظمأ
ولو مثلت له في النوم لم ينم

ميعاد كل رقيق الشفرتين غدا
ومن عصى من ملوك العرب والعجم


وهو يرى أن الملوك الذين عاشرهم أحق بضرب الرقاب من الأوثان.

ولا أعاشر من أملاكهم أحدا
إلا أحق بضرب الرأس من وثن


وعندما يمدح شاعرنا ملكا أو أميرا فإنه لا ينشده الشعر واقفا كما يفعل الشعراء في ذلك العصر، وإنما بجانب الممدوح، أو ربما وقف الممدوح أمام المتنبي إجلالا واحتراما له كما فعل العلوي.
ويبلغ الاعتزاز من نفسية المتنبي حدا قد يستهجنه كثير من الناس، وقد يعده بعضهم عيبا مشينا في شخصيته، ولسنا الآن بصدد تبيين تلك الحوافز التي جعلت المتنبي يقول مثل هذه الأقوال، ولكن الذي يهمنا هو معرفة رأيه في نفسه، ومنزلة الناس عنده، فاسمعه يقول:

أي محل أرتقي
أي عظيم أتقي

وكل ما قد خلق اللـ
ـه وما لم يخلق

محتقر في همتي
كشعرة في مفرقي


فأي عظيم يهابه، وأي كبير يخشاه ما دام الخلق كلهم والذين لم يخلقوا بعد لا يساوون شعرة في مفرقه.
ومصاحبته للأمراء مصاحبة الند للند، ولم يكن ليستقر عند أحدهم إلا وينتقل إلى الآخر، وذلك أن نفسه لا تدعه إلى عيش الدعة والاستقرار دون أن ينال ما يطمح إليه من سيطرة وملك، ولم يكن عندهم يقل الخنوع والخضوع، بل كان في أغلب الأحيان معهم نافرا عابثا، وكان أغلب ما يرغبه فيهم ممارسة الفروسية والقتال تهيؤا ليوم النزال المنتظر فهو يقول:

ولا تحسبن المجد زقا وقينة
فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وتضريب أعناق الملوك وإن ترى
لك الهبوات السود والعسكر المجر

وتركك في الدنيا دويا كأنما
تدوال سمع المرء أنمله العشر


وأي حنق على الملوك أعظم من هذا الحنق، فقد جعل رقابهم طريقا للمجد. كل ما تقدم يعطينا بيانا واضحا لنفس ذلك الشاعر وشخصيته، كما يعطينا بيانا أوضح لرأيه في الناس جميعًا. وهو يرى أن الإمارة لم تكتب إلا له، ولم تخلق إلا من أجله، وما كان لأحد الحق في أن يتطفل عليه بأخذها، ولم يترك صاحبنا منفذا يؤدي إلى الرئاسة والملك إلا سلكه، ولكنه لم يوفق في جميع محاولاته، ولما عجز عن إتيانها مباشرة، أخذ ينحدر إلى الملوك والأمراء عله يصل إلى ما تتوق إليه نفسه من إمارة وولاية، وأعتقد أن المتنبي كان يؤمن في قرارة نفسه أنه لن يتوصل إلى الملك وإلا فلماذا لم يوضح الخطوات التي سيتخذها بعد إدراكه الملك، وكان ذلك لا يعجزه، وأظن أن إصراره على تلك المطالبة كانت تحديا وإعرابا عما في نفسه من عدم المبالاة بأولئك الملوك، ولعلي لا أبالغ إذا قلت لو أنه أدرك الملك لما استطاع البقاء فيه لمعالجة شؤونه، لما في طبعه من نفور، والمتنبي كشاعر لا بد وأن يجعل الكلام وسيلته لإدراك مبتغاه، ولما كان رأيه في أولئك الملوك رأى الحنق الغاضب المغصوب حقه، أخذ يمدحهم بأماديح ظاهرها المدح، وباطنها الاستهزاء والسخرية، وكلما تمادى هؤلاء في عدم موافقتهم له فيما يريد، أخذ يزداد في السخرية والتندر.
وشاء الله لأبي الطيب أن يحلق في سماء الشعر ما شاء أن يحلق بفضل عبقريته الخارقة، وبيانه الساحر وأسلوبه الأخاذ، وعلمه الواسع، فكان جديرا بأن يطلسم على الممدوح والسامع حتى لا يكون هناك شك فيما يدعيه، مع أنه يضحك في قرارة نفسه مما يخفيه تحت أقواله من مقاصد يعرض فيها أحيانا، ويصرح أحيانا، ولكنه يتداركها بقوته وجدارته ويلبسها ثوبا من الجد لكي لا تظهر سافرة.
وإذا كنا بصدد استهزائه بسيف الدولة فلا بد أن تعرف الأسباب التي دعت إلى اجتماعهما. أما سيف الدولة فكان حريصًا على أن ينال مدحا من شاعر قل أن يهب الدهر مثله، وأما المتنبي فقد أراد أن يجعل من هذه الصحبة وسيلة لنيل الإمارة، وخوض المعارك، وتعلم الفروسية. ولقد تمنع أبو الطيب عن القدوم إلى سيف الدولة، واشترط عليه (حينما كان عند أبي العشائر) أن لا يعامله معاملة الشعراء، وأن ينشده الشعر واقفا إذا كان سيف الدولة واقفا وراكبا إذا كان راكبا وجالسا إذا كان جالسا، وأن لا يبدي له شيئا من الخضوع الذي يبديه الشعراء في ذلك الوقت، وقد وافق سيف الدولة على جميع ما اشترطه المتنبي .
وقد ظل المتنبي طوال المدة التي قضاها عند سيف الدولة وهو عرضة للكيد والإيذاء، حتى أصبحت حياته في خطر، ولعل في إيراد القصة التالية توضيحا لم نحن بصدده، فقد جاء في الديوان "قال وكان سيف الدولة إذا تأخر عنه مدحه شق عليه، وأكثر من أذاه، وأحضر من لا خير فيه، وتقدم إليه بالتعريض له في مجلسه بما لا يحب. فلا يجيب أبو الطيب أحدا عن شيء فيزيد بذلك في غيظ سيف الدولة".
ويتمادى أبو الطيب في ترك قول الشعر، ويلح سيف الدولة فيما يستعمله من هذا القبيح. وزاد الأمر على أبي الطيب وأكثر عليه مرة بعد أخرى". ثم أورد قصيدة وَاحَرَّ قَلْبَاهُ.
فلما أنشده هذه القصيدة وانصرف اضطرب المجلس وقال له نبطي كان في المجلس اتركني أسعى في ذمه، فرخص له في ذلك، والنبطي هو السامري وفيه يقول أبو الطيب:

أسامري ضحكة كل رائي
فطنت وأنت أغبى الأغبياء

صغرت عن المديح فقلت أهجي
كأنك ما صغرت عن الهجاء

وما فكرت قبلك في محال
ولا جربت سيفي في هباء


فانصرف ووقف له رجاله في طريقه ليغتاله، فلما رآهم أبو الطيب في طريقه وتبين السلاح تحت ثيابهم أمكن يده من قائم سيفه وجاءها حتى خرقها فلم تقدر عليه ثم أنفذت الطير إلى أبي العشائر في أمره فأنفذ عشرة من خاصته. فوقفوا بباب سيف الدولة أول الليل وجاءه الرسول على لسان سيف الدولة فسار إليه فلما قرب منهم ضرب راجل منهم بين أيديهم بيده إلى عنان فرسه وسل أبو الطيب السيف فوثب الرجل وتقدمت فرسه به الخيل فعبر قنطرة كانت بين يديه واجترهم إلى الصحراء فأصاب أحدهم نحرة فرسه فأنفذه فانتزع أبو الطيب السهم ورمى به واستقلت الفرس وتباعد به ليقطعهم عن مدد إن كان لهم، ثم كر عليهم بعد أن فني النشاب فضرب أحدهم فقطع الوتر وبعض القوس فأسرع السيف في الذراع ووقفوا على المضروب فسار وتركهم. فلما يئسوا منه قال له أحدهم في آخر الوقت.. نحن غلمان أبي العشائر فلذلك قال:

ومنتسب عندي إلى من أحبه
وللنبل عندي من يديه حفيف


وعاد أبوالطيب إلى المدينة في الليلة الثانية مستخفيا فأقام عند صديق له والمراسلة بينه وبين سيف الدولة متصلة وسيف الدولة منكر أن يكون فعل ذلك أو أمر به. وما جاء في هذه القصة يعطينا الدليل الكافي على التنافر بين سيف الدولة والمتنبي .
ولنرجع إلى القصيدة التي أغاظت سيف الدولة ومن في مجلسه، وبالطبع لا بد وأن يكون هناك أشياء سبقتها مما حدا بالمتنبي إلى قولها، قال في مطلعها:


واحر قلباه ممن قلبه شبم
ومن بجسمي وحالي عنده سقم

مالي أكتم حبا قد برى جسدي
وتدعي حب سيف الدولة الأمم

إن كان يجمعنا حب لغرته
فليت أنا بقدر الحب نقتسم

قد زرته وسيوف الهند مغمدة
وقد نظرت إليه والسيوف دم


ومنها:


يا أعدل الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم


وقوله (يا أعدل الناس) ينفيه قوله (إلا في معاملتي) فقد استثنى المتنبي نفسه من هذه العدالة فما دام غير منصف معه فقد جاز أن يكون غير عادل مع غيره وبذلك أصبحت القضية منقوضة من أساسها:

أعيذها نظرات منك صادقة
أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم


ونحن لا نشك بأنه لم يعن بهذا البيت غير سيف الدولة ولكن أبا الطيب كان حذرا في أسلوبه، حذرا في تلميحه.

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم

أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم

وجاهل غره في جهله ضحكي
حتى أتته يد فراسة وفم


وهذا توعد لأعدائه في مجلس سيف الدولة، ثم أوضح عن سلاحيه وهما السيف والفم وفي الإشارة إلى الفم تهديد لسيف الدولة نفسه..


إذا رأيت نيوب الليث بارزة
فلا تظنن أن الليث يبتسم


وهذا تصوير لما يعتمل في نفسه وما يحمله من حنق وغضب ومنها:


ومرهف سرت بين الجحفلين به
حتى ضربت وموج الموت يلتطم

فالخيل والليل والبيداء تعرفني
والطعن والضرب والقرطاس والقلم


فما موضع هذا الافتخار، وهل جاء ليفتخر على الممدوح أم ليمدحه ... ومنها:


كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم
ويكره الله ما تأتون والكرم

ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي
أنا الثريا وذان الشيب والهرم

شر البلاد بلاد لا صديق بها
وشر ما يكسب الإنسان ما يصم

وشر ما قنصته راحتي قنص
شهب البزاة سواء فيه والرخم

بأي لفظ تقول الشعر زعنفة
تجوز عندك لا عرب ولا عجم


والقصيدة كلها تحد صارخ وتعريض واضح ولكنه يعرف كيف يدخل فيها ما يخفف من هذا التحدي والتعريض كمثل قوله:


إن كان سركم ما قال حاسدنا
فما لجرح إذا أرضاكم ألم


ولقد اعتذر المتنبي لسيف الدولة بأبيات بعد ما حدث في القصة السابقة وما جرى بعد إنشاده قصيدة واحر قلباه:

ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا
فداه الورى أمضى السيوف مضاربا

ومالي إذا ما اشتقت أبصرت دونه
تنائف لا أشتاقها وسباسبا

وقد كان يدني مجلسي من سمائه
أحاديث فيها بدرها والكواكبا

حنانيك مسؤولا ولبيك داعيا
وحسبي موهوبا وحسبك واهبا

أهذا جزاء الصدق إن كنت صادقا
أهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا

وإن كان ذنبي كل ذنب فإنه
محا الذنب كل المحو من جاء تائبا


ولعله من الواضح الذي لا خفاء فيه أن قوله "أهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا" تعريض واضح لسيف الدولة ولكن استطاع أن يخفيه ببيته الأخير.
وإذا أردنا أن نتحقق من إدخال المتنبي السخرية والاستهزاء في مدحه لسيف الدولة فما علينا إلا أن ننظر إلى ما يدخله من سخرية واستهزاء واضح في مدائحه التي قالها في كافور، ذلك أن السخرية فيها واضحة منجلية فهو يقول له في أول قصيدة مدحه بها ومطلعها:


كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا


ومنها:


إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى
فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا

وللنفس أخلاق تدل على الفتى
أكان سخاء ما أتى أم تساخيا


وهذا تعريض بسيف الدولة وتبيين لما لقي عنده من مضايق وأذى:
ثم يقول في القصيدة:


قواصد كافور توارك غيره
ومن قصد البحر استقل السواقيا


وهنا يحتقر سيف الدولة ويستصغره أمام كافور :


فجاءت بنا إنسان عين زمانه
وخلت بياضا خلفها ومآقيا


وهذا مدح صريح يخفي به ما يريد أن يرمز إليه في أبيات أخر من استهزاء وتندر فهو يقول:

أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقا
إليه وذا الوقت الذي كنت راجيا


انظر إلى قوله (ذا الوجه الذي كنت تائقا) فهل حقيقة يتاق إلى مثل هذا الوجه، ولكنها سخرية شاعر حاذق، وبعده..


لقيت المروري والشناخيب دونه
وجبت هجيرا يترك الماء صاديا


فعود الضمير في كلامه (دونه) يكشف بجلاء تلك السخرية.

أبا كل طيب لا أبا المسك وحده
ولك سحاب لا أخص الغواديا

يدل بمعنى واحد كل فاخر
وقد جمع الرحمن فيك المعانيا


وقوله (أبا الطيب) لا يخفى ما فيه من استهزاء أما الشطر الأخير (وقد جمع الرحمن فيك المعانيا) فلا شك بأنها استهزاء فاضح لا يحتاج إلى تبيين.
المتنبي يعرف ذكاء الممدوح وبعد إدراكه وسعة اطلاعه، فإذا كان ممدوحه كسيف الدولة أخفى سخريته ما استطاع أن يخفيها، وألبسها ثوبا من الجد، وباعد في ظاهرها إلى ما يرمز إليه، أما إذا كان ممدوحه ككافور فلا شك أنه يبين عن تلك السخرية حتى لتكاد تظهر واضحة.
وللمتنبي قصائد مدح في سيف الدولة يستطيع المدقق أن يستخرج من بعض أبياتها ما يكنه المتنبي من سخرية واستخفاف بسيف الدولة. فاسمعه في بيتين من إحدى قصائده قال:


إن الخليفة لم يسمك سيفه
حتى بلاك فكنت عين الصارم

فإذا تتوج كنت درة تاجه
وإذا تختم كنت فص الخاتم


فأنا لا أؤمن بأن شاعرنا اضطر لمثل هذا الوصف المتهالك الساخر وإنما اعتقد أن هذا نوع من أنواع استهزاء المتنبي وإلا فما الفخر في أن يكون أمير عظيم درة في تاج خليفة أو فصا في خاتمه بعد أن كانت الخلافة أشلاء مبعثرة وبعد أن صار الخليفة اسما على غير حقيقة وجسما بلا روح. وقد قارن المتنبي بين الخليفة وسيف الدولة بعد رجوعه من مصر فقال:

ما الذي عنده تدار المنايا
كالذي عنده تدار الشمول


وتراه في قصيدة أخرى يقول:


ولما رأيت الناس دون محله
تيقنت أن الدهر للناس ناقد


فهل تيقن أبو الطيب حقيقة أن الدهر ناقد للناس أم هذا ثوب مدح تحته ثوب من السخرية والازدراء وأن كل من عرف رأي المتنبي في الدهر ليتيقن أن أبا الطيب يقصد ضد قوله. وقال من قصيدة أخرى:


فإن حظك من تكرارها شرف
وحظ غيرك منها الشيب والكبر


فهل نسي المتنبي أنه لا يجتمع الشيب مع الشرف أم أراد أن يظهر ما تكن نفسه من أتعاب وآمال قد لاقى في سبيلها أشد المصاعب وأمر المصائب فكان حظه منها الشيب والكبر وكان حظ أولئك الملوك ازدياد في العز واتساع في الملك؟
ويقول في قصيدة أخرى وهو أقرب ما يكون إلى الهجو منه إلى المدح:

عليم بأسرار الديانات واللغى
له خطرات تفضح الناس والكتبا


ولا تخلو قصائده في مدح سيف الدولة من أمثال ذلك. وإذا أردنا أن نعرف منزلة سيف الدولة عند أبي الطيب فلنستمع لقوله من قصيدة قالها حينما سمع عن ذكر وفاته في مجلس سيف الدولة وهو في مصر:


يا من نعيت على بعد بمجلسه
كل بما زعم الناعون مرتهن


وفيها:


رأيتكم لا يصون العرض جاركم
ولا يدر على مرعاكم اللبن

جزاء كل قريب منكم ملل
وحظ كل محب منكم ظعن

وتغضبون على من نال رفدكم
حتى يعاقبه التنغيص والمنن


وهذا الكلام لا يحتاج إلى توضيح، وقد قاله في سيف الدولة وقومه، وهو يدل دلالة أكيدة على أن المتنبي قد نال كثيرا من الإيذاء عنده.
ونختم مقالنا بقول المتنبي بعد أن رجع إلى الكوفة، وخيب أمله الكثيرون، وظل سيف الدولة يواصله الهدايا قال من قصيدة يمدحه فيها ويعتذر:


ومن ركب الثور بعد الجواد
أنكر أظلافه والقبب


انظر إليه كيف جعل الملوك دوابا له وكيف جعل الفرق بين كافور وسيف الدولة وأنه لم ينكر من كافور بعد صحبة سيف الدولة إلا الأظلاف والقبب.


من روائع أبي الطيب


صَحِبَ النَّاسُ قَبْلَنَا ذَا الزَّمَانَا
وَعَنَاهُمْ مِنْ شَأْنِهِ مَا عَنَانَا

وَتَوَلَّوْا بِغُصَّةٍ كُلُّهُمْ مِنْـ
ـهُ وَإنْ سَرَّ بَعْضَهُمْ أَحْيَانَا

ربَّما تُحْسِنُ الصَّنيع لياليـ
ـهِ وَلَكِنْ تُكَدِّرُ الْإحْسَانَا

وَكَأَنَّا لَمْ نَرْضَ فِينَا بِرَيْبِ الدْ
دَهْرِ حَتَّى أَعَانَهُ مَنْ أَعَانَا

كُلَّمَا أَنْبَتَ الزَّمَانُ قَنَاةً
رَكَّبَ الْمَرْءُ فِي الْقَنَاةِ سِنَانَا

وَمُرَادُ النُّفُوسِ أَصْغَرُ مِنْ أَنْ
تَتَعَادَى فِيهِ وَأََنْ تَتَفَانَى

غَيْرَ أَنَّ الْفَتَى يُلَاقِي الْمَنَايَا
كَالِحَاتٍ وَلَا يُلَاقِي الْهَوَانَا

ولو أَنَّ الحياةَ تَـبْقَى لحَيٍّ
لَعَدَدْنَا أَضَلَّنَا الشُّجْعَانَا

وَإذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَوْتِ بُدٌّ
فَمِنَ الْعَجْزِ أَنْ تَكُونَ جَبَانَا

كُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ، مِنَ الصَّعْبِ فِي الْأََنْـ
ـفُسِ، سَهْلٌ فِيهَا إذَا هُوَ كَانَا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elmasrawia.own0.com
 
استهزاء المتنبي بسيف الدولة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المصراويه :: الفئه الثانيه :: ادب :: المتنبى-
انتقل الى: